تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٩ - البحث الثاني
بشيء، فتكون رؤية اللّه جائزة.
و الجواب انّ إنزال الكتاب على وجه اقترحوه أمر محال لما حقّق في العلوم الحقيقية من كيفيّة نزول الكلام و الكتاب، و قد سبق في المفاتيح ما يوضح ذلك لأهل البصيرة [١]. و كذا نقول استقرار الجبل حين التجلّي أمر محال.
و أمّا الذي أجاب به بعضهم [٢] «من أنّ الظاهر يقتضي كون كلّ واحد من نزول الكتاب و الرؤية ممتنعا، لكن ترك العمل به في إنزال الكتاب ١٥٠ فيبقى معمولا به في الرؤية» ففي غاية السخافة كما لا يخفى، لأنّه ما أقام دليلا على أنّ الاستعظام لا يتحقّق إلا إذا كان المطلوب ممتنعا، و إنّما وقع التعويل على ضرب الأمثلة ١٥١ و المثال لا يقنع به في هذا الباب، و العمل بالظاهر إنّما يصح- حيث يصح- في الأحكام الفرعيّة- دون العقائد الأصليّة.
البحث الثاني:
إنّ الرؤية- على أيّ وجه كانت- هل هي ممكنة للعباد؟ أم هي ممتنعة؟.
اعلم أنّ أكثر الناس يتنازعون في مسألة لا يعرفون بعد موضوعها و لا محمولها، فقبل تحرير محل النزاع يخاصم بعضهم بعضا، و يكفّر بعضهم بعضا. و هذه المسألة من هذا القبيل، فإنّ الواجب أوّلا على كلّ مسلم أن يعرف ربّه و يعرف نفسه، ثمّ يتكلّم في هذا المقام.
و هذان العلمان من العلوم الغامضة التي لا يتيسّر إلا بجهد جهيد و خوض شديد، مع ذهن صاف و صدر منشرح، و قلب منور مشتعل في الصدر كالمصباح ١٥٢ في القنديل. و أكثر الناس غلاظ الطبائع قساة القلوب. فإذا من حصل له علم بماهيّة
[١] راجع المفتاح الأوّل من كتاب مفاتيح الغيب للمصنف قده.
[٢] هو أبو الحسين البصري كما في تفسير الفخر الرازي: ١/ ٥٣٢.